خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي، بوصية رسول الله(ص) فيما ورد عن أبي ذر الغفاري، حين قال: دخلت على رسول الله(ص) وهو في مسجده، فقلت يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي أوصني بوصية تنفعني، فقال: “يا أبا ذر: أتحب أن تدخل الجنة؟ قلت نعم، فداك أبي وأمي، قال(ص): فاقصر من الأمل، واجعل الموت نصب عينيك. واستح من الله حق الحياء استحياءك من صالحي جيرانك”..
فلنستوصي أيُّها الأحبة بوصية رسول الله(ص) والتي هي طريق يوصلنا إلى الجنة التي هي مهوى أفئدة المؤمنين وهدف في وجودهم في هذه الحياة، لنكون بذلك أكثر وعياً لأنفسنا، فلا تودي بنا إلى مهاوي النار وعملاً بمسؤولياتنا التي على أساسها سنقف بين يدي الله عندما ينادي {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}، وبالتالي قدرتنا على مواجهة التحديات وما أكثرها…
والبداية من لبنان الذي يستمر فيه الانهيار على الصعيدين المعيشي والاقتصادي من دون وجود أي كوابح تفرمله، والذي يعبر عنه الارتفاع الهائل والمستمر في سعر صرف الدولار وفي أسعار السلع والمواد الغذائية والمحروقات وصولاً إلى الدواء والاستشفاء ما جعل أكثر من 80% من اللبنانيين فقراء، فيما 34% منهم تحت خط الفقر كما جاء في تقرير منظمة اليونيسيف، وقد بدأنا نشهد مظاهر هذا التردي في ازدياد أعداد الذين قرروا أن يفروا من جحيم هذا البلد إلى بلاد الله الواسعة بحثاً عن أي مكان يلجأون إليه..
وقد وصل اليأس بالبعض إلى أن يركبوا البحر رغم أنهم يعرفون المصير الذي قد يتعرضون له هم وعائلاتهم من الغرق أو أن يكونوا في عداد المفقودين أو أن يجدوا أنفسهم في أماكن يموتون فيها من البرد كالذي يحصل الآن على الحدود بين بلاروسيا وبولندا، وقد سمعناهم يقولون أنهم يفضلون هذا المصير على أن لا يبقوا في بلد يموتون فيه كل يوم..
ولعل أخطر ما بتنا نعاني منه في هذا البلد هو أن تصل هذه المعاناة إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية التي هي صمام أمان هذا البلد واستقراره، وأن يدفعها ذلك إلى طلب العون من دول العالم لدعم صمودها واستقرارها، ومنع التسرب من أن يصل إلى صفوفها، والكل يعرف ما قد يؤدي إليه ذلك على صعيد القرار الحر لهذه القوى واستقلاليتها..
ومع الأسف، يجري كل ذلك في ظل الانسداد على المستوى الحكومي، فرغم الأجواء الإيجابية التي يتم الحديث عنها لم تسجل أي خطوات عملية تفتح الباب لعودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، أما الخارج الذي ينتظره اللبنانيون عادة للتدخل لردم الهوة بين أطرافه على الصعيد السياسي ومساعدته على الصعيد الاقتصادي، فيبدو أن لبنان لم يعد من أولوياته بانتظار ما قد يؤول إليه المشهد السياسي وموازين القوى داخله التي ستنتج عن الانتخابات، أو ما قد تؤدي إليه المفاوضات المنتظر أن تحدث في فيينا أو أي انفراجات تحدث على الصعيد الإقليمي..
ومن هنا، نجدد ما قلناه سابقاً للبنانيين: أن لا خيار لهم إلا أن يصبروا على واقع صعب فرض عليهم، وأن يتعاونوا ويتكاتفوا لمواجهته.. وهنا نقدر المبادرات الفردية والجماعية وما تقوم به المؤسسات على هذا الصعيد، وإذا كان لدى اللبنانيين من غضب، فلا ينبغي أن يكرروا الأساليب التي ثبت عدم جدواها وتزيد من معاناتهم، وقد تنعكس على الوضع الأمني كما حصل سابقاً، وليكن التعبير عن ذلك في صناديق الاقتراع بأن لا يكرروا التجربة مع من أفسدوا وأوصلوا البلد إلى المنحدر الذي وصل إليه، وأن لا يعطوهم قيادهم مجدداً إن لم يصلحوا ما أفسدوا وأن يكونوا جادين بعدم العودة إلى ما أدى إليه نهجهم السابق، ويؤكدوا ذلك بالعمل..
ونبقى على هذا الصعيد، لندعو مجدداً القوى السياسية والمواقع الدينية إلى الابتعاد عن الخطاب المتشنج والحاد والمتوتر في مقاربة القضايا السياسية والذي ينعكس سلباً على الشارع وفي الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن يكون الحاكم بينهم لا سيما في هذه المرحلة الحساسة والصعبة هو الخطاب العقلاني والموضوعي، فهو الطريق الوحيد لعلاج المشكلات والتقارب بين الطوائف والمذاهب والمواقع السياسية..
ونبقى على صعيد التحقيق في انفجار المرفأ الذي نواجه في هذه المرحلة تداعياته التي قد تكون خطيرة على أكثر من صعيد، لندعو إلى معالجة جادة لهذا الملف للوصول إلى معرفة حقيقة ما جرى، وإبعاده عن أية تدخلات من الداخل والخارج تسيء إلى صدقية التحقيق، وهنا ننوه بالتجاوب الذي حصل من قبل السلطات الروسية في تقديم صور الأقمار الاصطناعية للمرفأ قبل الانفجار وبعده، في ظل انكفاء دول أخرى عن ذلك، آملين أن يساهم ذلك في تقدم التحقيق وفي تصويب مساره، بما يبرّد قلوب أهالي الضحايا التواقين لمعرفة الحقيقة كاملة ومن تسبب فيما جرى..
ونبقى على الصعيد الصحي الذي بات في هذه الأيام هاجس المواطنين، بعد الارتفاع الكبير في أسعار الدواء لنجدد دعوتنا إلى ضرورة العمل بجدية على هذا الصعيد لدراسة السبل التي تؤمن خفض فاتورة الدواء والاستشفاء بفتح باب استيراده من بلاد فيها الجودة وأقل سعراً من البلاد التي يتم الشراء منها الآن، أو تأمينه عبر المراكز الصحية الرسمية أو المستوصفات التي يقصدها الفقراء حتى لا يبقى مريض بدون دواء أو استشفاء.
إن من المؤسف أن نسمع وعوداً من قبل وزارة الصحة، فيما لا نجد لها أثراً وإن وجد فليس بمستوى الحاجة المرجوة.
وليس بعيداً من ذلك نجدد الدعوة إلى ضرورة العودة إلى إجراءات الوقاية من وباء كورونا المتجدد، بعد تزايد أعداد المصابين، والذي نخشى من تداعياته ولا سيما في ظل عدم القدرة على تحمل أعباء هذا الوباء التي قد تكون كارثية وخطيرة في ظل التردي الاقتصادي وعدم قدرة المستشفيات على تحملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *